ترنيمة الذكرى (قصة قصيرة)

 

لوحة (المتجوّل فوق بحر الضباب) للرسام الألماني "كاسبار ديڤيد فريدريش" - 1818م.

بعينينِ واهنتين يرقب - منذ البارحة - بزوغ الشمس. يأملُ -سبع سنوات- قدوم ذكراه المنسية بحلول أول فجر قدسيّ، والمصباح جواره يعكس أيامه الحزانى كما لو أنَّها قابلة للعيش ثانيةً، كما لو أنَّها أضحت مفعمة بالأزلية؛ فلا تعرف دربًا للتّداعي.

يعبر وحيدًا وئيدًا ممرات عزلته الباردة، لا مثْوًى يلجأ إليه ولا منفًى يعرج عليه، مكبلًا بين بين؛ فإلى أين تمضي روحه المتعبة في سكون الليل، والآخرون يمرّون صامتين ملؤهم الأفكار والتأملات الشاردة، يود لو يُخفف وطأة شقائهم ويخفق؛ فعيونهم جريحة، خطواتهم ثقيلة، وأبوابهم موصودةٌ بالشك.. والخوف من الرحيل.

يدور حول نفسه مراقبًا إيّاهم، يسير خطوتين ويقف من جديد، ينتقي أكثر الزَّوايا ملاءمة يقبع عندها وقتًا يطول، قبل أنْ يقول:

- يا إخوتي وأخواتي، يا سيداتي ويا سادتي، ليُوصد جلّكم أبواب ملامحه الشقية تمامًا كما يفعل مع كل ما عداها؛ فقد رأيتكم مذ نطق الطفل فيكم أُولى كلماته، و أنا لا قوة تكفيني لأحمل حياتكم أكملها على كتفي، فهل يَسعُني التفرغ قليلًا لذكراي الشاحبة بمعزلٍ عنكم؟

يُدرك بجوفه أنّ السكينة ليست طبيعة فطرية؛ فالبشر يولدون بتقاطيع مضطربة، قلقة، ولم يسمع قط عن ولادة إنسان بعيون هادئة مطمئنة، وإنْ حدث ووجد هذا الشخص- وهو ما لا يتيسر حدوثه غالبًا - فستكون حالة خارجة عن المألوف عُرضة لمضايقات الدّارسين والأطباء، بيْد أنّ حقائق كتلك لن ترغمه على الانصياع، وبمقدوره التفكير تحت هذه الظلمة الوديعة باحتمالية تبدّل أصلهم للآن فقط.. علَّهم يفعلون تقديرًا لذكراه.

لا أحد من المارّين حفل بشخصه أو قوله - ومعهم كل الحق في ذلك - إذ أنَّ حديثه زاخر بالفردانية والخصوصية الذاتية الصرفة، أمَّا بعضهم الآخر ممن طرقت ترّهاته أسماعهم تحاشوا الرد أيضًا؛ في محاولة صريحة للحفاظ على هوياتهم الفردية بعيدًا عن جحيم الآخرين، وهؤلاء بالذات لا يجوز لومهم؛ ذلك أنَّ ما فاه به نفسه يُعدّ دليلًا خفيًا لسعيه إلى الإنغلاق والتمركز حول عالمه، الذي ظلَّ غائبًا في ركنٍ معين من ذاكرته.

يتابع طريقه إلى أيّما مكان، كل خطواته تقوده لدويلاتٍ لا آخر عرفها أو مرَّ بها، يجوبها كمتسول أمانٍ أثيرية أُرهقت جرّاء الجراح والأمل بلُقيَا الصدفة مصادفةً، لربما يمشي على طول الشارع فيَجدها هناك بآخره منتظرة، أو يجلس جنب عابرٍ بمقعدِ الحديقة فتجيء هي عند رحيله، ويُخبرها رفيقه كمْ انتظرها ولمْ تأتِ، وهذا في الواقعِ نصف الكلام؛ إذ يَتذكر العابر إبان عودته للبيت أنّه نسيَّ إبلاغها بقيّته.. سيرجع غدًا وبعد غدٍ وبعده لينتظرها مجددًا، حينئذٍ يَتحوَّل النسيان من عاطفةٍ مجرّدة إلى خنجرٍ تقتل المنسيَّ - لسبعِ سنواتٍ - على مقعدِ الحديقة مرارًا.

يظلُّ هو والبُحيرة يتراشقان بالحجارة والماء، يُسعده ذلك؛ كونها وحدها تُقيم اعتبارًا لحضوره فترد تحيّته، يسألها:

- كم الساعة الآن، أما آنَ لرصاصةِ الذكرى أنْ تُغادرني؟.

- دعها قليلًا بعد؛ لتُرهبَ بها ما يَجِدُّ من الذكريات.

تُسائله ذواته المتعددة "وهل ثمة ذكريات جديدة لترهبها، وإنْ وجدت فأين تسكن، لم تعد بهذا الجسد السقيم فُسحة كافية للسُّكنى"، على أنَّه مهما تخيَّل وتكهن لا يجد نفسه قابلًا للحياة بعيدًا عن المشنقة التي نسجتها ذاكرته.

يتفكَّر طوال رحلة عودته إنْ كان شخصًا قادرًا على مطابقة ذاته مع نفسها، مطابقة الرؤية مع خيالاتها، مطابقة حضور الذكرى مع غيابها.. يتردد في البدء لكنّه يُعيد موازنة الأفكار، ويَعي فشله في مطابقة أي شيء مع أي شيء، الخطأ كَمنَ في بداءة تدفق الاحتمالات؛ فهو القاطن بالذكرى، الخالي من الهوية لابتعاده عمّا يُحيط به، لن يقدر حتى على مطابقة حاضره مع الحاضر؛ فما نفع التّأمل والتعقل في اضّطراب الإحساس والشعور.. والإرادة أحيانًا.

الآن، وفي وداعه الأخير للانتظار، يسير عائدًا إلى الواقع دون أنْ يُخلّف ظلًّا بأعقابه، يتخلَّى عن رفاقه العابرين، يترك مقعده المعتاد شاغرًا، يتنازل عن شرفِ الوفاء، يهجر المكان، يعتزم انقطاعه الأبدي عنه، فإنْ مرَّهُ مصادفةً لن يتعرّف على هذا الضيف أحد، ولن يترك مروره أي وجعٍ بذاكرة المُقيمين التالفة، فتبقى ذكراه خالصة، نزيهة.. منسية. بمقدوره التمرد على المكان. لكن، كيف يهجر زمانه، هل المغادرة وحدها تكفي ليُزيح حملهما معًا، لعلَّها كافية مع الأمكنة.. أمَّا الأزمنة فهي تمتد لِما وراء الرحيل، لتُفقد الكلمة جدواها، وقد لا يملك غير الموت للتحرر منهما.. تحررًا مؤقتًا.

أمام بيته، عند العتبة يقف مشدوهًا لزمنٍ ثم يلوجهُ عاصفًا، يفكُّ الأبواب، ينتزع الستائر، يُحطّم ساعة الحائط، ويُعطّل ساعة يده، يفرغه من كل أشيائه، يتخلّص من طاولة المائدة والكراسي مع بقية الأغراض، وكذا سريره دون تفكيكه إلى مرتبة، وسادة، دعائم، غطاء.. بل يرميه كاملًا موحدًا، ثمّ يجلس أخيرًا على صقيع أرضه العارية و يَخِطّ:

بإحدى ليالي الصيف الحالكة، تحديدًا في الأيامِ الأخيرة من تموز، يطوف الخريف رُفقة الصيف - باصفرارهما المشترك - جنبًا إلى جنبٍ طرقًا مجهولة، ريثما تحملهما بهجة عذبة لفرحٍ مستوحد تستمد منه الموجودات كينونتها، وعندها تتلاشى كل الشرفات المطلّة على المكان والزمان، ويندفع كِلاهما لفضاءٍ لا متناهٍ؛ فقد انهار الزمكان، وعلى أنقاضهِ كانا يُزهران.
الوسوم

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)

#buttons=(قبول !) #days=(20)

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك.
Accept !