الذات تحاور نفسها (قصة قصيرة)

لوحة (ملنخوليا) للرسام النرويجي "إدوارد مونك" - 1891م


"المغناطيس حي لأنَّ لديه قدرة تحريك الحديد."

                                                                 - طاليس -


- أنظر إليَّ جيدًا، إنّ مرابضتك هكذا على حماية الجميع لن تدوم طويلًا، سيجيء وقت تتعارض فيه مصالح شخص من ذوي المكانة الاجتماعية البارزة معك، ويقوم بدهسك - لن أقول كحشرة - فأنا أقدّرك رغم خلافاتنا الفكرية، ولكن هذا الشخص ذائع الصيت الذي سيظهر يومًا ما -وصدقني ليس ببعيدٍ عن اليوم- سوف يحرمك من كلِّ رغباتك وأمانيك، ويحصرك في غياهب عزلة قسرية، مواصلًا تضييق الخناق عليك بلا هوادة، وبتتابع هجماته المدعّمة واستحالة قدرتك على ردّها أو مجابهتها -لاتّساع الفارق بينكما- سيُفلح في قتلك، داخليًا على الأقل. حينها تعجز مرغمًا عن حمايتهم جميعًا.. بل وحتى عن حماية نفسك.. إنْ ظلَّ هنالك ما يستأهل الحماية. وبعد مُضي المدّة اللازمة يكون قد سحقك تمامًا - كما فعل 'هرقل' مع البطل 'عنتي' بالأسطورة الأمازيغية..

ما أحاول قوله، أنَّ الوحدة القهرية شيءٌ لا يُطاق البتة يا صديقي، المرء منّا يُحبذ الموت عليها.

تتساءلون ماذا يحدث هنا، وما الذي يصدر عن هذا الرجل؟.. ينبغي لكم الامتنان إذن؛ لأنّي في مزاجٍ مُلائم لأقص ما جرى ويجري الآن، ملائمٌ وليس جيد - فعادةً أنا لا أحظى بما يسمى "مزاجٌ جيد"، وقطعًا دون أنْ تُصَيِّرَني العادة مناوِئًا للمزاجات الحسنة.. أقول كل هذا حتى لا يُساء فهمي، مع علمي أنّه سدًى، ولكن إذا تَوصّلتُ لتقليص أعداد بعض ممن يُسِئون الفهم؛ فهذا يبدو -بنظري- مجدٍ إلى حدٍ ما.

هذا النقاش السابق منه والآتي هو عادة يومية يحياها بطلنا أعلاه، محاولًا عبثًا -في كل فرصة أو ظرف محرّض- إقناع نفسه برأي يُناقض رأيه الآخر دون كلل، ومع علم تام بعدم جدوى ما يفعله. إلّا أنّ ذاته عديمة الرحمة لا تنفك تُجادله.

ومن ثمّ فإنّ هذه الحوارات التي سأعرضها لكم هي ما يحدث غالبًا بينه وبينه، والتي تنتهي دائمًا بالنتيجة نفسها؛ فلا هو يُقنِع ولا يُقنَع:

- لا أحفل بما سيحدث لاحقًا ولا بالعزلة التي تحذرنيها، هناك أناس يستحقون أنْ نُقاتل لأجلهم، وحين أصادف أحدهم لا أرى سوى اللحظة الآنية، ولا أعود أُبالي بالعواقب.

- لا يوجد واحدٌ يستحق والثاني لا في هذا العالم، هنالك فقط من نرغب بمساعدته لأنّه يُشبهنا ليس أكثر. وكذا لا وجود لما تُسمّيه "القتال من أجل الآخرين"، إنّ الشفقة على الآخر في حقيقتها لا تعدو كونها خشية حلول النائبة عينها بالأنا، وحمايتنا له ليس سوى دفاعًا عن ذواتنا.. إنَّها محض أنانية ما تُطلق عليه قتالًا لأجل الغير.

- ولمَ لا تُفكّر في أنَّ دافع الشفقة الأناني ذاك، هو تحديدًا ما يمنح للإنسان صفته الإنسانية؛ إذ أنّ هذا الإحساس -المشترك بين أناه والآخر- يردعه من إلحاق الأذى بنظيره، وبالتالي الحفاظ على حقوقه.

- وماذا لو حدث تضارب؟

- لم أفهم!

- ماذا لو كانت المحافظة على حقوق الآخر تُهدد حقوق الأنا؟، ألنْ يُؤْثِر حينها نفسه؟

- لا أظن أنَّ فيما قلتَ شيءٌ خاطئ؛ فهذا ما يجري عادةً، ولكن هناك القانون وهو الأداة المبتدعة لحلّ مثل هذه النزاعات.

- هل تعتقد القانون قادرٌ على إحلال العدل دائمًا؟، إن كنتَ مؤمنًا بهذه الخرافة فأنا لا؛ فالتمييز بين القوي والضعيف، الفقير والغني، الحاكم والمحكوم، جلّها قواعد تفرقة فطرية لا يمكن نُكرانها، وتؤدي للتقليل من فاعلية إعمال القوانين، ما ينتج عنه صعوبة توفير الحماية لحق بعض الأطراف بالمقارنة مع أطرافٌ أخرى.

- الإيمان بالقيم الإنسانية أصبح الآن خرافة؟.. أمثالك فقط من يجعلون قيم خالدة كالعدل والسلم أمرًا منفرًا ومستحيلًا، ويمكن لعالمنا هذا أنْ يكون أكثر عدلًا لو آمنّا قليلًا بمثل هذه المبادئ.

- أنت تعيش في تناقضٍ رهيب، لا أدري ما أخبّرك لتقتنع، حسنًا، دعني أستعين بدعائم تؤمن بها إيمانًا تامًّا. استنادًا إلى توقعات ماركس -كارل ماركس- ما مصير الطبقة العاملة إنْ أدركت ظروفها المحيطة بها، وقامت بتعرية أوهامها كاملة.. لا تُقاطعني، سأجيب بنفسي.. ببساطة لن يعودوا بحاجتها وستتحسن أوضاعهم المعيشية من كلِّ جوانبها، هل فيما ذكرت عيب أو غلط؟

- لا، لا يوجد.

- عظيم، والآن لنستبدل الطبقة العاملة بك أنت، ما هي صراعاتك الدّاخلية، إنَّها الأوهام المخفية المتمثلة غالبًا في وهم المساواة، والعدالة، والمثالية، والسلام، والحقوق.. دعنا نقول صيانة الحقوق، خذ وقتك بالتّأمل والتّفكر في هذه القيم حتى تُدرك زيفها وأنّها "وهمٌ" ليس إلَّا، عندها لن تعود أعمى كما كنت وستعي الحقيقة المؤلمة التي تعيش، وطبقًا لنظرية ماركس تلك، لِزامًا عليك نبذ الأوهام والتّأقلم مع الحقيقة إنْ أردت لِذَاتك التحرر.

- و هل تنتظر منّي الاقتناع بحجج واهية كتلك، أتخلّى عن جلِّ ما آمنتُ به طيلة سنوات حياتي؛ لأنّها و كما تقول حضرتك.. مجرد وهم!، ما هي الحقيقة إذن، تلك التي تحثّني على عيشها، هل هي الرضوخ و الاستكانة لمطالب الأقوياء أصحاب الجبروت و النفوذ، تودُّني أنْ أرميّ -هكذا وبسهولة- المبادئ التي طالما عملتُ على تغذيتها من سعيِّ الدؤوب لتحقيق شيء من التغيير؟. إذا كان ما تقوله صائبًا؛ فأنا الظافر على أي حال؛ إذ أنَّ إيماني بتلكم الأوهام المقيتة تجعلني أحيا كإنسان، أمَّا حقيقتك الوديعة فستُحيلك إلى خروف.

- ليست الحياة متجذرة في وجود الإنسان، بل إنَّ أعمق جذورها أينعت من غايات وجوده. غاية وجودك وحدها تملك تحديد حياتك من مماتك.. وأنا يا صديق لقيت حتفي مذ زمن؛ فلا تَظنَّنَّ لومك هذا محركًا شيئًا داخلي.

الوسوم

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)

#buttons=(قبول !) #days=(20)

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك.
Accept !