![]() |
| لوحة (ريح من البحر) للفنان الأمريكي "أندرو وايث"- 1947م |
"قالت: لا أفهم الكلمات.. قلتُ: ليس من كلمات."
- هيوز -
يُصيخ السمع - أثناء عبوره - لما تفوه به الرياح، علّه شيئًا حول علاقة الذات بموضوعها، الكلماتُ بكتّابها، الجِراح بأصحابها.. للأمر ارتباطٌ ما بتبدد الحقائق وعزوف الأفكار، هذا ما يَخلص إليه حين يبدأ تأمّله في النُثار الذي تُذريه مناداة الريح بكل مرّة يُلاقيها، ينوي الإقلاع عن عادته البائسة تلك، ولكنّه يَلين لها إذ يجد نفسه وحيدًا وسط أولئك الغرباء، وليس مِنْ مُؤْنِسٍ غيرها يُخفّف عنه ثقل الانتظار.
يسند رأسه على الجدار و يُريح عينيه بإغماضة طفيفة تُهدّئ ضجيج نفسه ولوعتها، مواصِلًا إنصاته لإملاءات الريح - دون مقاطعة - كما يتطلب منّه الأدب الاجتماعي؛ فتغيبُ حوله بقية الهمسات والتّحايا بلا حاجة أو إرادة، فكأنّما ليس من صوتٍ سواها، حتى أنَّ كِثرة الإصغاء منحته مزيّة أنْ يراها، مستقبِلة إياه بملامح مرهقة مكلومة، تهوي به لهشاشةِ وجهٍ كان يألفه.
تخبّره عن صحّة النبض ونقيضه، عن اندثار الشعور وغباره، وتواري الوحشة بين هوامش رحيله الأخير وأحاسيسهم المتحجّرة، ثمَّ - أخيرًا - عن خلاص الروح عَقب أنْ مرّغوها بالتجمعات الصورية، وغياب المحتشدين على جانبي قلبه مفسحين له مكانٌ يليق بأوجاعه، فلن يدفعه أحد منذ اللحظة صوب خيالات الوداع؛ إذ لا وداع في ظلّ غيابهم الآتي. يسألها مزهوًّا إنْ كان ما تقوله ممكنًا.. فيأتيه صمتها قاسيًا موجعًا.
هدأت ثرثرتها بدنو خاطر تواجده، وها قد مضت نصف ساعة على اتّفاقهما و لا يبدو أنَّ صاحبه سيظهر في أي وقتٍ قريب، لم يكن ضروريًا تسمّره طويلًا بهذا المكان، لولا الرابطة المتينة التي تربطُه وصديقه ذاك بالتحديد، فالاحترام الذي يُعامل به أحدهما الآخر خالصٌ ظاهره، مما يحول دون أنْ يُؤرقه الانتظار لنصفِ ساعة إضافية. رغم ارتيابه من إمكانية رؤيته لليوم، إلَّا أنَّه سينتظر على أي حال.. لا شيء أيسر لديه من التعلّق بالغائبين، أَقْدَمَ على ذلك مراتٍ عديدة، تبعثرت فيها أناه بين ثنايا الاغتراب، و لم يثنه تفرّقه عن الترقب، ترقب من سيجمعه شظيةً شظية ليُعيدهُ إليه.
لطالما كانت علاقته بمعارفه القدامى تقذف به إلى عدم اكتراثٍ لا يُوائم وضعه الوجودي ككائن حي، أمّا عن ارتباطه بذاته المولعة بالتغيير المستمر؛ فقد صار معضلة تتعارض و نواحيه المعرفية و استقلاليته الفكرية؛ فغاصت "أنا أعتقد" خاصّته بخلاءٍ واهٍ، أدّى لانعكاساتٍ جليّة في علاقاته بالأغيار حوله، إلى أنْ ظهر رفيقه الجدير بالانتظار؛ ليُبدي محبّة خالصة لشخصه، و معاملة حسنة ترتعش لها أية لا مبالاة محتملة.
مضت السَّاعة، فجَعل يُعزّي نفسه كما يفعل عادةً حين يُضيء شيءٌ أو حدثٌ ما خيبته، لربما جاء من ينتظره في زمنٍ يحياه هو؛ فالزمن نسبي، و ما هو نسبيٌ قابلٌ للتأويل و التّعدد، جل ما يمرُّ أمامه فيراه أو يلمسه، لا يعدو كونه رؤية تأويلية، لمسة تأويلية تصدر عنه وحده. للأشياء من حيث هي أشياء معنًى متفرّد، للأشياء عنده معنًى آخر قد يُنافي أو يُوَافق ماهيتها الحقّة، كذا بالنسبة للآخرين يختلف كنه الشيء، ليس في عقله غير الاحتمالات.. و هذا كل ما في الأمر.
كانت آثار أقدامه على الأرض تُريه أين السبيل لعودته، فيما صدى انكساره الجديد يصمُّ آذانه عن خُطاه السائرة - بلا وزن - نحو خسارته المعتادة، مخلّفًا وراءه جزءًا آخر منه، جزءًا ستطويه هزائم و انكسارات مستقبلية. و لئن صادف جرحه هذا ذات يومٍ لما التفتَ إليه و لا سالت مدامعه، حتى ليتعجب الجرح و يستوقفه ليُسائله:
- هِيْ.. ألا تعرفني؟.
- ليس تمامًا، من تكون؟.
يُتابع طريقه و لا يُضيف كلمة، ما عاد يتعرّف عليه، لا بد أنَّ النسيان أضحى روتينًا لديه، هكذا يَخال.. و في الوقع أنَّه اعتاد التّحطم من آنٍ لآخر، و لا يسعه التعرّف على جميع تصدّعاته كلما صادفها.
دوَت أصداء الغياب عابثةً بروحه جرّاء هذه الحادثة، و ساقته آلامه إلى ذاكرة حبيسة بين ماضٍ بعيد لا يتقن الزوال و حاضرٍ عابر لا يعرف الدوام، هذا، أو علَّه يلحق التّذكار مواربةً آمِلًا غروبه، أو ربما تهشّمت حياته الماثلة أمامه في مواجهة تلك السحيقة المرصّعة بالأحزان و التّرحال، لا شيء راسخ، اختفت حكايا المكان، حلَّت التناقضات، اختلطت صيغ الزمان، امتزج ضوء الليل و نور النهار، أُعدم التمييز، الأزرق الكحلي مثل اللازوردي، أجسادهم الغائبة كأطيافهم الحاضرة، ثمة فجوة مفجعة - ولدت في أغوار المجهول - تنحدر رويدًا رويدًا بأعماق نفسه الواهنة التي لا تُصارع.
ناضل للكتابة عنك، فعجزت مفرداته أمامك، يجزم أنّ شعوره حاضر بركنٍ ما داخله، لكنّه يجهل أي الوسائل تُجدي لحشره بما يكتبه.. لم تفلح محاولاته، و دون أنْ يعي انقلبت القصة، كانت في البدء عن أحدهم و الخطّة المبدئية تثبتُ ذلك، لاحقًا صارت عنك و لا أحد يعلم، و الآن لم يبقَ سوى الشاهد ليتحوّل مجراها نحوه.. ماذا لدينا لنرويه حوله غير أنّه يمتلك كلماتٍ كثيرة ينبغي أنْ تقال، قولها أمرٌ لزاميٌّ فحسب، أمّا رغبته المشخصنة تتمثل بدفنها على أحد دفاتره، ليس للتخلّص منها بل ليحفظها و يذكرها طوال رحلة غربته، يُشاركها أحيانًا مع آخرين لا يعرف غالبيتهم، محتفظًا بامتياز التفوق؛ فلا يمكن لسواه قراءتها كما يفعل هو، في انعدام الإحاطة الكلية بمقاصده ستخرج كلماته جوفاء لا يدركها الداني كما القاصي.
نكون إزاء حالة مبهمة أدبيًا لا عندما تَيْئَس تعبيراتنا أو صورنا البلاغية، بل حين نتحدثُ عن الرّائي بحماسٍ لا ينضب إنْ لم نَكُنه، و نجعل المؤلّف ضحية حَيْرَتُنا واضطرابنا، فنحصره بين ثنائية الراوي العليم بأحداثِ الحكاية من ناحية و شخوصها الرئيسة من الناحية الأخرى، و إذا كانت الحالة في أقصى درجاتها إلتباسًا فسيصبح الوقائع أيضًا، و كل ما سلف يُبرره الوجع الذي تخلقه 'علّة الكتابة' - حسنة كانت أم رديئة.
فليس ما نبتدئ منه يكون هو ذاته ما نختم به، و لا يعقل تشبثنا بالتفعيلة عينها بصوابٍ تام، العلّة تحجب الفِكر عمَّا عداها و تُخضعه لتقلباتٍ قسرية قد تحثّه - كما في حالتنا - للتّخلي عن ركائزه، يتجلّى اللبس حين يخور شغف الشاهد عن مواصلة التزعزع؛ فالشاهد: أنا، يدري أنَّها في الخِتام ستعود إليك.
