![]() |
| لوحة (مكتبة Bibliothek) للفنان النمساوي "فرانز سيدلاتشك" - 1939م. |
لطالما كان عطوفًا متساهلًا مع كل شيء وكائن فيما خلا الذكرى، لأن الأخيرة ينبغي تقديسها، علينا كتمانها وحمايتها واحتضانها وليس هجرانها، الانحراف المتعمد فيها لا يغتفر، لا يرتضيه فؤادٌ نابض، ولا تقبله نفسٌ شفيفة.
ميناء ذكراه الشاحب يستحضر وإيّاه أحاسيس أزلية، صورًا عتيقة، ومشاهد معتمة. روحه المرضوضة تشقى كلما لاحت بمخيلته ذكرى السفن المقلعة تتناهى صافراتها لمسامعه كسمفونية الوداع 'لهايدن'- صاخبة وهادئة في آنْ.
أطيافٌ ماضية تُلقي بظلالها على أيامه المتعبة وتُحيل الدقائق لساعات، الصمت لضوضاء، والوحدة لاكتظاظ مهيب. أحرف قليلة وردته خلّفت بأعقابها شبح سفينة شراعية قابعًا جواره هامسًا إليه:
- ها هي تصير واقعًا أبيات هاينه العزيزة عليك!
أصغى إليه دون سماع كلماته، أبصر وجوده دون رؤيته، لكنه يذكرها على أي حال، الأبيات المزدانة بالوجع الثاوي عن القريبة المتدفقة من الديوان بأكمله- ديوانٌ ابتاعه مصادفةً فأضحى أقراصه المنومة الملتصقة بمخدعه، والمشحونة بمواكب ذكريات عمرها اثنتا عشرة سنة تُزفّ تِباعًا أمام ناظريه. أحيانًا لا يرى ذاته فيها سوى ضيفًا أو هامشًا أو فائضًا، وبأحيانٍ أخرى يكون منسيًا تمامًا فيَزحف مرغمًا صوبها لئلا يتلاشى.
- ماذا تُمثل الذكرى عندك بمنأى عن موضوعها؟
قد يُجيب "لا شيئ" فيُخطئ إذ يُصيب، فهي "كل شيئ" يتسرب داخله، يمتزج بهويته، يُكوِّنُ صورته، ويصون هيئته. هي الفناء متضرّجًا بالمعنى والبقاء، الاشتياق مُحمّلًا بقدرٍ وفيرٍ من الجفاء، هي الحضور زائفًا كلوحة لإليزابيث غاردنر، هي الغياب صامدًا كالموت ذاته، هي الأعين الغريبة ترقب حركاته وسكناته، نجاحاته وسقطاته، حسناته وهفواته.. هي ما أحياه بعد أنْ أماته.
فقدان موضوعها لن يُجرّدها سلطتها على روحٍ حُكمت بلعنة الشعور، فهل يعقل لمن يخشى الرعد ألّا يفزع حين تعلو ضرباته؟ إذ وحدها الذكرى تمنح الغرباء أسماءً وتنزعها عن أصحابها، تعطي الذاكر عيونًا أجنبية ليبصر فيما وراء وجوده، ليُعاصر زمانًا غير زمانه، ويُحاور أناسًا غير أناسه، ويُعايش حياةً غير حياته.
تظل تُرافقه حينما يُدقق ساكنًا في تفاصيل لوحة كيرياك كوستاندي حيث تقعد السيدة حبيسة الماضي منتحبةً بالحديقة، يراها تُحادثه بينما يعلو ضجيج الحياة فيعجز عن سماعها، لعلّها في البدء قالت شيئًا حول البرد وأزهار الليلك، وختمت قولها بذكرى فقيدها، لكن رجع الصوت ذاته يعود مجددًا:
- دعك منها! فهذي نهار دون ضوء، حضورٌ دون وجود، رموزٌ دون معنى.
تهدهده تلك الكلمات المفعمة باللا مبالاة، ويستسلم لها مجددًا تاركًا الضوء المعتم يجتاحه وينأى به وحيدًا كيما يحاور ظلاله ويوليها عنايته، نافيًا ما عداها من عذابات الآخرين وجحيمهم، فلكم كان محقًّا ذلك الفيلسوف!
أشكال عديدة تمتثل إزاءه يجهل خامتها وصانعها لكنها كفيلة برميه في وهدة النسيان، محرضةً إيّاه الخوض في ساحات الوغى رفقة أسلافه المحاربين، مهللةً لإندلاع حرب طروادة جديدة إيلينا فيها ليست سوى الماضي، معركةٌ سرمدية بين المرتَجي والمُرتجى، فائزها منهزم وخاسرها منتصر.
إحساس الاستحضار المستديم يرافقه أينما حل عاكسًا ببواطنه شعورًا بالزهو والرفعة، شعورًا حاسمًا وقاطعًا أنه وُجِدْ بصرف النظر عن تضعضع وجوده الآني، بغض النظر إن كانت حواسه الحاضرة منعدمة وأنفاسه شبحية وخطواته خفية، تعتمل الأطياف عقله فلا يرى سواها، ولا يحادث غيرها، ولا يؤنسه عداها. من بينها جميعًا ثمة طيفٌ واحد لا يتركه.
أقدم الأطياف وأقربها وأبعدها، طيف الذكرى العذبة الذي عبره تمر النهارات والليالي المتخثرة وئيدة وطأتها، هادئة دقائقها وثوانيها، صافية أمانيها، عقب أنْ كانت مفعمة مآسيها، باردة مآقيها، قاسية معانيها، تدب أوجاع الأرض وانتكاساتها فيها، حتى اعتاد أثناء خلوة نفسه الزائفة أنْ يرنو إليها، وينفض غبار السنين عنها، ليحفظها ويحميها وأنّى شاء طمأنة يستدعيها.
