ڤينوس لا تعرف الرحمة (قصة قصيرة)

 

لوحة (العين في العين) للعظيم النرويجي "مونك" 1894م

يحق لنا نحن المستلبين حبًا أنْ نُطالب تضمين قصصنا لمجموعة سومرست، ويحق لنا إقصاء الآخرين والانفراد وحدنا بعرشها المزيف، ومن يدري، لربما عندها يصير أكثر سموًّا وعظمة. هذه أصغر حقوقنا وأحقرها؛ إذ لا أحد مثلنا أدرك جوهر ومثال تلك العاطفة مجرّدة، وصلنا بأحاسيسنا للمطلق واللامتناهي، تاركين البقية الباقية أسفل الهاوية، رُفقة الحسيات والمادة.

دعوني أروي بعض الحكاية كرونولوجيًّا، روايتها جميعها تعني حياة بأكملها، والكتب لا تتسع للحيوات، بالكاد تكفي الموات، أشير هنا لموت من نوع آخر، يجمع المتناقضات، يسري فينا هادئًا لا مرئيًّا، وبخلاف مراحل الوفاة المعروفة، فهو صنف يَعقِب الإشراق لا السقم.

قيّموا القصة كيفما شئتم، قولوا أنها تفتقر المشاهد والأمكنة، أو يعوزها الترابط والنهاية المُرضية، اعتمدوا معاييركم الخاصة، فأنا أفعل مثلكم، لا آبه بتقديرٍ خارجٍ عني، معاييري ترى القصة السيئة تنتهي بالزواج، والجيدة بالموت، أمّا العظيمة فلا تنتهي أبدًا.

لا شيء تعرفونه حولي غير أنّي ابن هوس التذكر، أمراضٌ كثيرة تتدفق فيَّ كنهر كبير يجري غزيرًا، وهنٌ عضلي، اضطرابٌ شبه فصامي، فقرٌ للدم: "عاملٌ وراثي" يقول الطبيب، فتومئ الأم برأسها ويبدو مزهوًّا، عند عودتنا سألتها "وهل مات أحدٌ في عائلتنا من الحب؟"

أمّا هي فينبغي معرفة القليل عنها، يُعذبني أنْ تعرفوا أكثر من القليل. اسمها نغمًا منتميًّا للحقبة الثورية، حيث غُلّف الإحساس برفعته الأولى، وحُطّمت قيود المتعبين، حيث ضربت حركة بتهوفن الخامسة كبرياء الكلاسيكيين، مَن اتّخذوا الفن صنعة، والحب صنعة، وفوق أنقاض حصنهم العتيق ولد حب الفن وفن الحب معًا.

آسرة، حساسة، قوية، مزاجية، ورفقتها مبهجة، كل هذا لا يصفها بدقة، فهيئتها الاعتيادية لن تُضفي سحرًا على واحدة غيرها، وطالما أذهلتني هذه الحقيقة، حين تمر بأي مكان لا تبرز سواها، ولا يُفتن الحضور إلّا بها، وإنْ لُمحت أخرى بعينين كعيناها وقسماتٍ كقسماتها وصفات كصفاتها فأقصى ما يمكننا قوله أنها حسناء، ثم نشيح بصرنا كأنّا ما رأيناها.

مضت تسع سنوات، التقيتها صدفةً بمنزل أحد المعارف، رحّبتْ بي وسألتْ عن أحوالي، تبدّتْ لي عندها أكثر حنوًّا ودفأً، أطلعتها بخواطري فأنكرتها:

- على العكس.. ما عدت أملك ذرة حنان.

دققتُ بملامحها لأجد الصدق أو الزيف فيما تقول، وحملقت فيَّ بدورها منتظرة ردّي، وعندما لم يصلها استأنفت:

- كل ما هنالك أنك لم تتوقع تحدثي معك بهذه الطريقة.

لحظتها أدركت أنها لم تتغير كثيرًا، تقرأ العقول في هنيهة، وتفصح عمّا يجول بذهنها فورًا لترسم تاليًا بسمة اغترار بصواب تكهناتها، تختلف عنّي حتى بهذا، فلم يبقَ جزء منّي على حاله مذ فارقتها، حبها أعدم أحاسيسي بما عداها، لا شيء يبهجني أو يحزنني، أضحيت باردًا برودًا يفوق ذاك الذي تمنحه عقاقير الاكتئاب:

- لا زلتِ داهية كما عهدتك.

أجابت بالضحكة القديمة العفوية:

- قطعًا.. السمات السيئة لا تغادرني بل تكبر معي.

طوال تلك الأعوام أعدتُ إحياء صوتها في عقلي، ورغم طبيعتي النّساءَة استطعتُ مواصلة الاحتفاظ بطريقة حديثها ونبرته، كنت كل يوم - لا واعيًا - أعيد ترديد أصدائه بمخيلتي حتى استوحد معي، وصار نسيانه يستلزم نسيان نفسي. وبمقابلتها توّج هذا الانتصار على الذات؛ فما زال صوتها كما أذكره، فلوت صغير يمتاز بتلك النغمة التجريدية الفريدة، وذاك الحنو البهي، واللحن المشرق المملوء بهجةً كلوحات "كاندنسكي"، وفي شخصها ما زالت كما هي: ذكية، ساخرة، تلقائية، مرحة، تأسر محدّثها دون بذل مجهود. وأنا ما زلتُ أفشل في منع الكلمات المندفعة الفاضحة لكياني.

كلما مرّ الوقت ازداد تساؤلي، كلما نطقت حرفًا أو أرسلتْ تحيةً أو أطلقت ضحكة ساخرة تعاظم استفهامي،  شيء ما تبدّل فيها لم أعيه، متيقنٌ أنها تحتفظ بجوهرها: اندفاعها، ثقتها، صراحتها، والدهاء المعجز، تفكّرتُ مطولًا فيما يمكن أن يكون بلا جدوى، وكشخص طالما آمن بحدسه واتكل عليه، صدقته هذه المرة أيضًا، فإنْ كانت لم تتغير في ذاتها، لا بد أنّ حدثًا أو أحدًا ما خلّف أثرًا غائرًا بأعماقها يرسل صقيعًا مروّعًا للفؤاد.

كونيِ يا عزيزتي نصيبًا لآخر ؛ يسعى إليكِ إنْ أبعدته، ويصون مكانتك إذا أغضبته، متسامحًا تجاه رغباتك ونزواتك، لا حاقدًا ولا منتقمًا، مفرط الحساسية، حكيمٌ نبيهٌ في شخصه، مغفلٌ كبير في حضورك، ساطعٌ بوجودك، جثة بغيابك، فضّلي مستمعًا بذائقة فذّة، فالموسيقى أكثر الفنون حسية ورومنتقية، والأهم: كوني بصحبة من لا يغتال الحياة فيكِ.

قضينا دقائق رفقة بعضنا، أصخت السمع خلالهم بتمعن شديد حتى تلاشى صوتها، عادية معاملتها لا مبالية، تتبسم وتضحك وتلقي النكات متى أرادت، بينما أرتدي صمتي خشية أنْ ترى وجعي وحجم شعوري الحق، لأن من يحبك إلى هذا الحد يمكنه كرهك بالقدر نفسه، وما يجاوز طبيعته ينقلب لنقيضه.

اغتبطتُ بمعرفتي أنها كانت تهم بالمغادرة وتوقفت حالما ألفتني، دقيقة واحدة من السعادة، تكفي تعذيبي سنوات، ما يُعدّ أمر حسنٌ، فمن الألم المقض أخلق الكثير، أصنع جدوى للرحيل، فوهة للاستماع، نافذة للوداع، فورة لغياب مديد، أنا ولدتُ لهذه المهنة لا غير.

"صوتك تغير وتكسوه بحّة" نطقت كلماتها الأخيرة؛ فجعل الشحوب يعلو وجهي، واستوطن الجفاف حنجرتي، ألقت نظرتها الأخيرة وابتعدت، كيف أخبرها أنها مخطئة، كيف أقول غصّةٌ هي ما تسمعين!

تأتي سنينٌ وتنصرم، يخر فيها ألف عاشق على ركبتيه، متيمين ببهجتك وتعاستك، بعينيكِ الناعسة وشخصيتك، بظاهركِ وباطنك، بعد أن ترفضهم نرجسيتك تغرمين وتتزوجين، تنجبين طفلين صبي وفتاة، تواصلين جرجرتْ العبيد خلفك بغير إرادة، فأنتِ تُحبين زوجك وهو كذلك، تناهزين الستين، ويتقافز أحفادك حولك في الأعياد، تمتلئ حياتك وتفيض سرورًا، تلاقين مصير البشر المحتوم، وكذا يفعل الزوج والأبناء والأحفاد، يختفي أثرك تدريجيًّا، لكن روحًا تعسة وحيدة تعمل ليل نهار لتخليد ذكراك فيما لا يمكن أنْ يفنى، وسيمر عابر بعينيه عقب قرنٍ أو يزيد على هذه الأسطر، فتعودين للحياة.

الوسوم

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)

#buttons=(قبول !) #days=(20)

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك.
Accept !