ثمة قصةٌ لا تأتي (قصة قصيرة)

 

لوحة (شغف الإبداع) للرسام الروسي "ليونيد باسترناك"- القرن التاسع عشر

"كل بداية هي تتمة لا غير، وكتاب الأحداث دائمًا مفتوحٌ على المنتصف." 

                                                          - شيمبورسكا -                            

السطر الأول.. هناك حيث يترك جزءًا من روحه، باحثًا عن وعاءٍ تُمطر فيه مآسيه؛ لتشربها الأعين العابرة والفضولية، أملًا في أنْ تُجرّد تلك الأعين ذاته الجريحة من ذاكرة تُثقل حضوره. أمَّا أفراحه، فما عاد يعنيه البحث عن شيءٍ يحويها؛ إذ أنَّها تبدَّدت قبل أنْ تتشكّل، وإنْ أُرغم على احتوائها يومًا ولو بضع هنيهات؛ فإنّ قشٌ على جذع شجرة مهترئة يكفيها وزيادة.

يكتب ويشطب ما كتبه، ثم يُعيد الكتابة ثانيةً، وفي كلِّ مرة ينهي تأليف سطره يتطلع إليه بوقار من مقعده الخشبي، كربيعٍ يحدق فخورًا في حقوله المطرّزة بخضرةٍ تصل خصبتها إلى الكمال. "هذا هو.. هذا هو سطريَّ المنشود"، به يفتتح حكايته دون أنْ يحفل بمنتصفها أو خاتمتها، لا شيء يرسم طيف ابتسامة ظافرة في حدود القصّة كما تفعل البداية اللّامعة؛ لهذا تحديدًا لن يسمح لنفسه بالتهور وتدوينها كاملة قبل أنْ يعثر عليه.. البريق الذي يُنادي قرّاءه ويدهشهم، سيجده ويهديه إلى أطفالٍ لم يعد لديهم آباء ولا آمال، إلى صخرة كلما جلس عليها متأمّلًا حياته تصدّعت من زحمة الآلام، إلى سنونو أزرق صغير يمرّ أمامه كل يوم ليقتسم معه الطعام، سيُهدي بداءة قصّته الجليلة إلى قلوبنا الحزينة كالنَّايات ومشهد الغروب من سهلٍ خفيض.

يبحث عنه طويلًا ويفشل فشلًا فادحًا، ثمَّ يطلبه في لقاءٍ أوّله خفي، هناك بأعماق البياض، ويستجدي قدومًا خاطفًا منه مثلما تهشّمت آلاف الأرواح على أصوات مغنين أنشدوا أغنية "اللقاء اللانهائي"، يغمضون جفونهم مفكّكين إيقاع ما وراء الكلمات المرفرفة حول آذانهم، لا شيء بَيّنٌ في البدء لكنهم سرعان ما أدركوا أنّهم سمعوا أنشودة "الوداع السرمدي" وظنّوا أنّها "اللقاء اللانهائي". وحين ترهقهم الحقيقة يعودون صوب طاولاتهم المنعزلة بألمٍ مؤرّق بين ضلوعهم، ويَجعلون يُنصتون إلى تلاشي نبضاتهم عوضًا عن الأغنيات.

ستكون أعظم كتاباته اليوم تدور حول ذاك الغريب، الذي لا اسم له؛ فهو يحمل الأسماء جميعها، ولا سمات تدلُّنا عليه؛ لأنّ موت الأحياء المُسجّاة قلوبهم هو الدليل، ستكون عن صمتِ الليالي الحنونة حين ارتفع الصوت القاتمُ من داخله - وقاد أنفاسهم المغروسة بصدره إلى الهاوية حيث تنتمي، عن كل ما حجبه بأحشائه وهيئته الباهثة من خيبةٍ جلَّ الله أوجدها خصيصًا له، لم تكن خيبة أمل وإنما كانت شيئًا أعمق وأقسى، أماته وأحياه آلافًا من المرات؛ فلم يعد بوسعه الجزم بوضع الحياة هو أم الممات، وجهله هذا يُهيل عليه تساؤلاتٍ لا حصر لها، يَبتهج أم يبتئس، ينسى أم يتذكر، يحبُّ أو لا، أيتنكّر للحقيقة ويواصل عيشه كإنسان على قيد الحياة وإنْ كان خداعًا، أم يتّخذ قراره الفاصل ويترك استنشاق الأوهام ويذهب للسّكنى بالضفّة الأخرى - حيث أَقام في حياتهِ السّالفة أو حيث سيُقيم بالحياة المقبلة.. لا يعلم بالضبط عمّا سيكتب، ثمّة خيارات عديدة متاحة، كل ما يعرفه الوسيلة التي سيَخطّها بها، سيعتنق التّأليف المراوغ؛ إذ يسرد بأُقصوصاته كل شيء دون أنْ يقول شيئًا، وكلّما مرّ قارئٌ جاهد لفهم معناها، لكنَّ وجعًا يلمحه على الأوراق يمنعه من كشف السرّ الكبير.

يروي حكاية بينلوبي غريبة، جديدة وطازجة، ليست كسابقتها الهوميرية بجل أوصافها، مختلفة كليًّا فيما عدا الإخلاص فيها، لكنّا نرى بعيوننا اضطراب قلبه حين تهتز الورقة بين أيدينا، أمرٌ ما لا يسير كما يجب، بل لم يسِر قط كما كان ينبغي، محاولاته الحثيثة لتدفئة حكايته وانتقاءها بدّقة أعيته دون نفع؛ فرغم قدرة كفّه الدامية على رسم الأمكنة والشخوص ووضعهم فوق الزمان كيفما شاء، إلَّا أنّ كلماته دومًا تجيء حزينة وباردة.

يعمل على نقش حوارات فريدة وجيدة حد إرضائه، مع أحد ما، أصدقاء، معارف، إخوة.. أيُّ شخص سيفي بالغرض، ولكنّه لا يملك  غير صديق صموت يقبع أعلى رأسه، ورفيقه ذاك كثير المشاغل والخطط، ويبدو أنَّ هذا ليس السبب الوحيد؛ ذلك أنّه - بطريقة عجيبة - يمرض من الأحاديث والكلام بصفةٍ عامة حين يوجهها إليه فحسب؛ فلن يمانع لو سمعه يُحادث أشخاص غيره، أو حين يسمعه يتحدث إلى نفسه جهرًا. إذن بمقدوره محاورة نفسه واثقًا ألَّا أفضل منها سيفهمه، لولا أنّ الحوار أحادي الجانب لا يفلح في النسيان غالبًا.

كل الحكايات والحوارات التي جاهد ليصوغها اليوم كانت نيران حبٍ غابرٍ في الماضي، أحرقت روحه تدريجيًا إلى أنْ صارت وقودًا يدفعه للمُضي أمامَا، يسعى قدمًا بكل شيء تقريبًا - مخلفًا وراءه ذاته القديمة ومعها قدرته على حب الحياة، الرحيل صوب أرضٍ جديدة  كان كل ما يشغل تفكيره حينها، كائنًا ما كان الحال، وأيًّا كانت الوجهة، مخاطبًا تلك الذات الجريحة، المضطربة جرّاء الوداع:

- أنْ دعينا نُتقن الطُمَأنينة ولا تجزعي؛ فبانكشاف البراعم الباردة شارف خِتام عذابك، وكما يتشكّل حدس امرأة حين تُرزق الأبناء وينادونها "أمي" خمّنتُ موعد احتضارك. قطعنا العوائق معًا منذ البداية، وآنَ أوانُ أنْ تستريحي.

وحيدًا بهذه الغرفة يفكّر في الاحتمالات الممكنة حينًا واللاممكنة حينًا آخر، علَّه يسلك نهجًا خاطئًا، لا شيء يُفسّر هذا الجمود غير ذلك، يُرجح أخيرًا أنّ الإلهام لن يحضر بالبحث أو التذكار، لربما يجيء مصادفةً ومتأخرًا ككل شيء في حياته، يظهر فقط حين لا يكون بوسعه أنْ يُشاهده أو يبتهج به. إذن، فليس هذا الترقب سوى عبثًا لا طائل منه. صحيحٌ أنّ انتظاراته أكملها منذ الخليقة والحيوات المنصرمة لم يكن منها طائل، ولكن، فات الآن أوان الرجوع، عليه الكفُّ عن العبوس وتقبّل واقعة انهزامه أمام الوقت والأوجاع الساكنة في نداءاته ، لا بد أنْ يتوقف قليلًا ليُعدَّ المكان والأجواء لحضور الكلمات بنفسها إليه، وإنْ لم تحضر - وهذا واردٌ جدًّا - فلا ريب أنّه يمكن لمن عاش سبع أو ثماني سنوات في ترقّبٍ مستمر أنْ يواصل حياته في انتظارها.

يتّكئ على كرسيه ويدع الكتابة جانبًا لبعض الوقت أو أطول، يمكنه الآن أنْ يستريح بعد عمله المضني، ثلاث ساعات من التأليف المتواصل ولم يُنهِ حتى سطره الأول، بوسعه في اللحظة أنْ يترك كل الأشياء خلفه وينتظر حدثٌ ما يظهر أمامه بغثة، عزاءً للخواء، أو نهايةً مفجعة لمئاتٍ من الأسماء، دنو مصيرٍ مجهول لألوانه المفضلة، أو عزلة قديمة تُحَطَّمُ حدودها ويلجها شعاع أمل طفيف ينفذ بكيانه - دون سابق تكهنات، يمكن لأحداثٍ عديدة الظهور بمحض الصدفة، ويخامره شعور أنْ لا واحد منها قد يسترعي اهتمامه؛ فهو مدركٌ بقُرارته عمَّا يُحتمل أنْ يكون سطره المنشود.

فمن أين تأتيه قوة كتابته وبدء مشوار الرواية الطويل الطويل، هو يعرفه حقّ معرفته لأناه، بيْد أنّه لا يتكلّم عنه مع أحد ولا حتى نفسه، هي حروفٌ قليلة وهادئة بمقدورها تغيير حياته بشكلٍ نهائي، لكنّه يصمّم على رفض النطق بها؛ إذ لو هو قرر رصفها جنبًا إلى جنبٍ في خطٍ واحدٍ ومستقيم؛ فلن يتبقى له شيء للكتابة عنه، ولن يعود هنالك طريق أبدًا لا طويلٌ ولا قصير. ولهذا - يا أعزّاء - ثمة قصصٌ كثيرة تكوّنت من الصمت.

الوسوم

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)

#buttons=(قبول !) #days=(20)

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك.
Accept !