![]() |
| حُرّر هذا النص يوم السابع عشر من نوڤمبر 2022م |
فالتعمق فيها ودراستها مهم بصرف النظر عن تخصصكِ الأصيل، ذلك أنَّ "الحياة الخالية من التأمل والنظر لحياة لا تليق بالإنسان" (أرسطو). إذ ليس في التفكير شيئًا يفرد الرجل عن المرأة، فلا يتطلب القوة البدنية ولا التواجد بالأمكنة الخطرة أو في عمق الظلام. ولا غيرها من المسوغات المعلوكة، فلماذا انفرد به الرجل دون المرأة منذ عصور؟
الجواب اليسير يتمثل في الاضطهاد الذي مورس ضدها، فمذ زمن تمنع المرأة حقوقها بأمور شتى أحدها وأهمها "الحق في التعليم"، فحتى وقت قريب -أوائل القرن الماضي- بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة لم يسمح للنساء ارتياد الجامعات وإنْ خوّلن بذلك يحرمن الحصول على مؤهل علمي. حتى أنّ الكاتبة الإنجليزية "ڤرجينيا وولف" طردت ذات يوم من مكتبة الجامعة لأنها لا تحمل تصريحًا بالدخول من أحد الأساتذة الذكور!
فيما ألقى 'روفوس' الفيلسوف الروماني محاضرته حول النساء والفلسفة في المئوية الميلادية الأولى، ولم يكن يخشى على سمعته كمحاضر، فمن طبيعة الرواقيين قول الحق والعدل بصرف النظر عن ردة فعل المحيطين بهم، أفلم يكتب 'أوريليوس' في تأملاته "قل وافعل كل ما تقتضيه الطبيعة واعلم أنه ملائم لك أيضًا، ولا يصرفك عنه ملام تتوقعه من الناس أو من كلامهم، فما دام الشيء خيرًا فافعله أو قله ولا تستنكف من ذلك، فأولئك الناس إنما تحدوهم عقولهم وتسوقهم أهواؤهم."
وهكذا ألقى موسونيوس خطبته النارية حول أهمية الفلسفة للنساء. حينما سأله أحد الحاضرين إنْ كان ضروريًا عليهن أيضًا دراستها؟
أجابه: بلى عليهن ذلك كالرجال تمامًا. وتابع متسائلًا: ألم يمنحهن الخالق العقل كما منحه للرجال؟ هذه القوة التي بوسعنا عبرها تمييز الصالح من الطالح، الشريف من الدنيء، الخيّر من الشرير، ثم أنَّ الانجذاب والرغبة في الفضيلة بحكم الفطرة لا ينتمي للرجال فحسب بل للنساء أيضًا- اللاتي تُقدّرن الأعمال النبيلة والعادلة وتنفرن من نقيضها، فلماذا يليق بالرجل السعي ليحيا حياة نبيلة وينتقي الطريقة التي يود العيش وفقها ولا يليق بالمرأة أن تفعل المثل؟ فدراسة الفلسفة تُعنى بذلك تحديدًا، فهل يلائم الرجال أنْ يكونوا صالحين وليس النساء؟
لكن المرأة الفيلسوفة مثل الرجل الفيلسوف -بنظره- تحمل على عاتقها مسؤولية كونها رائدة للفلسفة، فعليها التصرف طبقًا لتلك الخصال وأكثر، أي أنْ تكون أكثر شجاعة من المرأة العادية، وأكثر اتّزانًا ورفعة، فيلائمها ألَّا تخضع لأي شيء مخزٍ أو خسيس لأنها تخشى الموت أو الألم، ولا يليق بها الانحناء لأي شخص مهما كانت نبالته (سلالته) أو نفوذه، أو ثروته. وامرأة كهذه -يُضيف- ستكون عونًا عظيمًا لزوجها، وفخرًا مشرّفًا لأسرتها، وقدوةً حسنة للنساء اللاتي عرفنها.
ويختتم إجابته بالرد على المعارضين لفكرة تعلم المرأة للفلسفة وزعمهم أن الفيلسوفة امرأة عنيدة متهورة تقضي يومها في الحوارات خارج البيت متجاهلة أطفالها وأسرتها، فيقول "سواء النساء أو الرجال الذين يسعون لتعلم الفلسفة لا أتوقع منهم البتة التخلي عن مهامهم الحياتية والتفرغ التام للكلمات، لكني أتوقع منهم استخدام السجالات التي يخوضونها لغرض تجويد وتحسين الأفعال فحسب، فكما أنه لا فائدة تُرجى من دراسة الطب ما لم يقد إلى صحة الإنسان. فكذلك لا فائدة نرجوها من تعاليم الفلسفة إلّا إذا أدّت إلى فضيلة الروح وسموها."
