أثر الذنب السيكولوجي على شخصية العقوبة

 

تتسم العقوبة الجنائية بسمات تفردها وتجعلها رمزًا لإدراك العدالة وكفالة أمن واستقرار المجتمعات؛ كونها تمدّها بالطمأنينة المتمثلة فيما يسمى قانونًا بالردع العام؛ فوجود الجزاء يحول ببعض الأحايين من المساس بدعة الجماعة، مُصيّرًا الفرد الذي ذاق ألمه أمثولة عامة.

وطالما قامت الفكرة العقابية على توفر المسئولية الجنائية من علمٍ وإرادة، ووجدت -خاصة- لمعاقبة "الإرادة الآثمة" لمرتكب الفعل؛ فإنه لا بد أنْ تقتصر على هذا الشخص دون سواه؛ فلا يعقل معاقبة شقيقه أو ذويه إذا فرّ مثلًا، أو وافته المنية، ولأنّ المسئولية الجنائية شخصية فكذلك تكون العقوبة.

وهذا بإيجاز مفهوم "الذنب القانوني" الذي تُؤَسَّس عليه هذه القاعدة الهامة، ولكن إلى أي مدى يتصادى "الذنب السيكولوجي" معها؟ وهل تُعدّ العقوبة الصادرة في مواجهة مرتكب الفعل المخالِف للقانون شخصية بالفعل؟

أبرَز "يونغ" الفارق بين ثلاثة مفاهيم لفكرة "الذنب": قانونيًّا، أخلاقيًّا، ونفسيًّا، بيد أنه ركز على المفهوم الأخير لهذه المفردة، ورأى أنه من ناحية عقلية لا تُعد عائلة يقترف أحد أفرادها ذنبًا بالمعنى القانوني (جريمة) مذنبة قانونًا وأخلاقًا. لكنها تستشعر ذنبًا سيكولوجيًّا بالخزي والعار والمهانة، ما اعتبره ذنب غير عقلاني، واللافت أنّ هذا الشعور ليس طواعية وإنما يرغمها عليه العالم الخارجي.

صدور حكم الإدانة والعقوبة المترتبة عنه، لا يطال -حقيقةً- المذنب وحده بل إنه يمتد إلى غيره ممن تربطهم صلة به؛ فتلطخ اسمه كفيل بإرساء حياة ملطخة للعائلة بأكملها، وإنَّ هذا الشعور اللاعقلاني بالذنب يفرضه المحيط الخارجي سواء القاصي منه أم الداني، ولم تكن الجريمة بذاتها لتُخلّف هذا الإحساس لولا الإدانة الجمعية التي توجه لفردٍ منها.

فكأنما العقوبة تجازي المذنب لذنبه وتخلق تبعًا لذلك ذنبًا هامشيًّا يُفرَض على غير المذنبين، ينتج عنه جزاءات ضمنية يقاسونها حتى لو كانت أقل ملموسية ولم تحمل الاصطلاح القانوني للجزاء؛ لكنها تظل نتيجة أو أثر للعقاب القانوني الذي يُفترض أنْ يكون شخصيًّا؛ فالألم لا يستشعره المذنب فحسب بل ذويه أيضًا، ولا نشير لألمهم على مآله وإنما ألم متباين يطالهم بصفة شخصية كونهم مرتبطين به.

الوسوم

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)

#buttons=(قبول !) #days=(20)

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك.
Accept !