مراجعة فيلم: التوت البرّي 1957

 


هنا نرصد بيتًا صيفيًا عتيقًا في مكانٍ شبه معزول، وسط كومة من  الأعشاب، والأشجار، والمجهول. يُطِل على بركة ماء يجوب عبابها الصغير قاربًا يحمل الأب وابنه، هنا أيضًا يتناهى لمسمعنا ضجيج عائلة كبيرة تهيم داخله، صوتهم مبهم لكن يمكن التكهن أنّهم يُعدّون لحدث مميز. هنا ثمة بين الأشجار وعبق النباتات الغضّ المحيط بالسياج كمية مهولة من "التوت البرّي"، تظهر بنت العم حاملة سلّة صغيرة لتجمع ما تيسر منه، خلفها هناك جُسير صغير يَقود من الحديقة إلى البِركة، وهنا أيضًا يقف إنسان -خارج الزمان- يحدق يائسًا.

إنه البروفيسور "إيزاك بورج"، الشخصية الرئيسة في فيلم (التوت البرّي 1957 Wild Strawberries)، لأعظم مخرج سينمائي: السويدي "إنغمار برغمان". يُعدُّ مِنْ أكثر أفلامه غوصًا في اللاشعور، بتعلّة تعدد الأحلام، سواء أثناء النوم أو اليقظة، والمذكور أعلاه كان إحداها. تدور الأحداث حول يومٍ واحد، يخوض فيه البروفيسور رحلة بسيارته صوب المدينة حيث سيُمنح شهادة الدكتوراة الفخرية. معظم الأحداث تنوجد خلال هاته الرحلة، إلَّا أنَّ الفيلم لا يقتصر عليها؛ فهو "رحلة نفسية بقدر ما هو رحلة جسدية" [مايكل كورسكي].

عاش "إيزاك" الشاب العشريني في المنزل المطوّق بالتوت البرّي، كان آنذاك حساسًا ومهذبًا. ومولعًا بالشعر كما كان عاشقًا لابنة عمه "سارة"، كان أقرب للشاعرية والخيال. لاحقًا نَبذ الحياة الاجتماعية لما تقتضيه العلاقات الإنسانية من نقاشاتٍ وإصدارٍ للأحكام؛ فصار منغمسًا في العلم دون غيره، حتى أصبح طبيبًا. تحوله من الخيال للحقائق، ومن الفن للعلم، ومن اللاشعور للشعور، سيطر على بقية حياته.

'إيزاك' السبعيني مختلفٌ عمّا سلف، اعتبر يوم تكريمه غريبًا؛ فقد أعاده لذاته القديمة، البعيدة عن صلافته، وأنانيته، وغروره الآني، وإنْ أتقن مواراتهم خلف "أساليبه القديمة، وسحره"، كما صارحته 'ماريان' زوجة ابنه الوحيد، ورفيقة رحلته. الابن الذي ورث طباع والده اللاحقة لا الأولى، والذي كرهه حدّ مقته للحياة وكل ما يرمز لها. كان طبيب كوالده، و"باردًا كالثلج" مثله تمامًا.

أحيَت الرحلة الشاب العشريني المنزوي بركنٍ خفي من 'إيزاك' الحاضر، أحيت ذكريات بيت الأسرة القديم إبّان التوقّف عنده، وذكرى بنت العم حين طلبت عابرة سبيل عشرينية تدعى 'سارة' أنْ يوصلها في طريقه، بمعية شابين: أحدهما -فكتور- يود أنْ يصير طبيبًا، والآخر -أندرس- حلمه أنْ يكون رجل دين، تقابل بين المادي والروحي يتكرر على مدار الفيلم.

الفيلم مزيج متناقض من الواقع والأحلام، وُضِع رمزًا لطبيعة 'إيزاك' المتغيرة منَ الشاب الحالم للطبيب العملي؛ ففيه يفصل بين هذين التناقضين فاصل رفيع وهش بالكاد يميزه المشاهد، لبراعة المخرج في التنقل من اليقظة إلى التخييل- براعة تجعل عقل المشاهد مترددًا في تحديد متى بدأ الحلم ومتى انتهى.

الوسوم

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)

#buttons=(قبول !) #days=(20)

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك.
Accept !