لوحة أين وبأي شكل سنلتقي مجددًا؟

 

لوحة تجريدية للرسام الكوري "كيم هوان-جي"، عنوانها مقتبس عن الشطر الأخير من قصيدة (عند المساء)، للشاعر الكوري "كيم جون-سو".

كيم هوان جي، (1913-1974)

قد لا ترى في هذا العمل الفنّي غير دقّة وصغر تركيباته، شكلًا وخطًا ولونًا، وبالتالي تكاد لا تُشيد سوى بهذه الملاحظة الأولية المتمثلة في إتقان صاحبه، وجهده الجلي في صناعته. وهذه النظرة -حقيقةً- تمثل 1% فقط مما تنطوي عليه (أين، وبأي شكل سنلتقي مجددًا؟)، ويمكن أن تكون النسبة أعلى بأشواط حين تقوم بتسخيرها -أي نظرتك ذاتها- في لوحة أخرى أكثر واقعية، ودنوًّا للفوتوغرافية، تكتفي بتذوق الوعي لها دون إقحام عمق اللا شعور، كعمل رامبرانت الأشهر "درس في التشريح للدكتور تولب".

لوحة أين، وبأي شكل سنلتقي مجددًا، (1970)

بيْدَ أنّ مشاهدة كتلك قاصرة تمامًا، عندما نوجهها لأعمال متجردة تجردًا محضًا أو نسبيًّا عن المحسوس، كلوحات "كاندنسكي"، "ماليفتش"، "بولوك"، أو "هوان-جي" موضع حديثنا الآن، بل في هذه الحالة يُستكثر عليها حتى أنْ تسمى (مشاهدة)، وصاحبها لا يختلف كثيرًا عن الأعمى؛ إذ هذا الفن يُشكّل أنموذجًا نموذجيًا لمثالية "أفلاطون"؛ فهو يمتلك جمالًا مطلقًا كامنًا فيه، وينأى عن أي صور حية واقعية، أو خيالات ذهنية تصويرية يُصدرها الوعي، وليس ثمة سبيل لفهمه واستشعاره فيما يخرج عنه، أو فيما هو خارجٌ عنك.. وأي محاولة مماثلة لا تعدو كونها تقييدًا مجحفًا لإبداعية الفنان.

البُعد عن الواقع المادي منح هذه اللوحة صفة الجمال جوهرًا، وإنْ لم يكن بُعدًا صرفًا كما سيتبين حينما نطالع الترجمة -أدناه- للقصيدة المُصوّرَة هنا بإيحائية حرفية لا متناهية؛ فرغم أنّها شكلًا خالصًا مفارقًا -مفارقة نسبية- للمادة، إلّا أنّ موضوعها يرتبط كليًّا بالأبيات، وجزئيًّا بالطبيعة. ففيها قام الرسام بنوعٍ من الإسقاط الجزئي للسماء ليلًا بجل محتوياتها، وعمل على تضمينها -ما أمكنه- بالصفات الكلية، والتعميمات المطلقة بواسطة الرمزية.

أراد منّا " كيم هوان-جي" الرجوع للقصيدة إنْ ألفينا لوحته، ولا أظن أنّ شخصًا غيري سيُبدي احتجاجًا؛ إذ يكفي لاستخلاص هذه النتيجة تخصيصه أحد أشطرها كواجهة لها؛ لذا ارتأيت البحث عنها وعرضها؛ حتى يتسنّى لنا جميعًا وضع تخييلات عريضة حول فكرتها الرئيسة:

قصيدة《عند المساء》ترجمتُها عن لغة وسيطة (الإنجليزية).

"بين عدد لا يُحصى من النجوم

ثمة نجمة تُحدّق فيَّ

وسط حشد غفير من الناس

أحدق بدوري في تلك النجمة

وحينما يزداد الليل تقهقرًا

تتلاشى خلف الشروق

وأضمحل أنا بجوف الظلام

أين، ومتى، وكيف سيكون اللقاء ثانيةً؟

بيني أنا، شديد الوفاء.. وأنتِ، الدافئة جدًا."

كيم جون سو، (1903-1977)

المحبوبة والنجمة، كل منهما تحل محل الأخرى، أو تكون هي الأخرى؛ ففي لوحة تجريدية كهذه، يعتمد صاحبها على جوهر العقليات لتصوير طبيعة الحسيات، يوازي بين الوجود الكلي والمطلق للخليلة صفةً، والوجود الكلي للإعجاز الوجودي لأحد مكونات الكون "النجمة".. وما تماثل بقية الحشود سوى فعلًا تابعًا يُحقق المبالغة الشعرية في تمييز العاشق لمعشوقته.

أمّا الخصائص الجزئية فهي عديدة يستعصى علينا حصرها، ولعلّ الاستماع لبعض الألحان أثناء مراقبة اللوحة تنفع في التماهي مع جمال شكلها الخالص؛ ذلك أنّ الموسيقا بابتعادها عن الواقع المحسوس تُحاكي المُثل العليا، وهذا تمامًا ما نحن بحاجته؛ لنعي إيحائيتها المبهمة للكون بأكمل موجوداته، عبر تجسيدها لأحد أجزائه.

يُستعاض عن التماثل الحسي هنا بإحساس آخر جليل، يتجلّى في العمل الأصيل، والفكرة المستوحاة منه، أي في كل الأجواء المحيطة بالخطاب الجمالي، وهو يتمثل في "الحب"، وهل ثمة أعذب من جوهر الجواهر؛ ليُخلّد بعمل متقن يقودنا لعالم العقل، والمطلق، والمثال، والكلي، والثابت، يقودنا إلى عالم المعرفة الحقة، والوجود النهائي. ويكفي لنُدرك كنه (أين، وبأي شكل سنلتقي مجددًا؟) أنْ نَعمل بنصيحة 'غوته'.. "ومن يُرد أنْ يتعرف ويصف شيئًا حيًا، يسعى أولًا إلى استخلاص الروح، وبعد ذلك تصير الأجزاء في يده...».

الوسوم

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)

#buttons=(قبول !) #days=(20)

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك.
Accept !